عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

156

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

( حكاية ) قال أبو جهل لعنه اللّه : يا محمد إن أخرجت لنا طاوسا من صخرة في داري آمنت بك فدعا ربه عز وجل فصارت الصخرة تئن أنين المرأة الحامل ثم انشقت عن طاوس صدره من ذهب ورأسه من زبرجد وجناحاه من ياقوت ورجلاه من جوهر فلما رآه أبو جهل لعنه اللّه أعرض عن الإيمان وقال في بعض الأيام : يا محمد السماوات أقوى أم الأرض ؟ فقال السماء ، فقال ربك أقوى أم الصخرة ؟ فقال قدرة ربي قال قل له يخرج لنا من هذه الصخرة طيرا في فمه كتاب يشهد لك حتى أصدقك فنزل جبريل عليه السلام وأمره أن يشير إلى الصخرة فانشقت عن طير في فمه ورقة مكتوب فيها لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه أمة مذنبة ورب غفور فقال : أنت أسحر من سحرة فرعون ، قال : وأنت مقتول أشر من قتل فرعون ، فلما كان يوم بدر قال جبريل بدر كبحر فرعون وذلك أن فرعون وقومه هلكوا بالماء وصار محمد وقومه يمشون على الرمل فتغوص أرجلهم في الرمل فضعفت قوتهم وأصابتهم الجنابة والعطش فأرسل اللّه تعالى عليهم المطر فاشتد الرمل تحت أقدامهم واغتسلوا من الجنابة وشربوا ثم انحدر الماء إلى الأرض التي بها أبو جهل وقومه فصارت أرجلهم تغوص في الطين وأهلكهم اللّه تعالى ، قال تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [ الأنفال : 11 ] وذكر النيسابوري في سورة اقرأ لما نزلت سورة الرحمن . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : من يقرؤها على رؤساء قريش ؟ فقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : أنا يا رسول اللّه أقرؤها عليهم فلما قرأها عليهم ابن مسعود صكه أبو جهل لعنه اللّه فشق أذنه فاغتم النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم نظر فوجد جبريل عليه السلام يضحك فقال ما يضحكك ؟ قال ستعلم يوم بدر فلما كان يوم بدر لم يحضر ابن مسعود إلا بعد فراغ القتال فقال يا رسول اللّه فاتني فضل الجهاد فقال : التمس من به حياة فاقتله فلك أجر شهيد فالتمس فوجد أبا جهل فقال : أخبر صاحبك محمدا أنه أبغض الخلق إلي في الحياة والممات فقطع رأسه ابن مسعود وأراد حمله فلم يستطع فشق أذنه وجره بخيط إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجبريل يضحك فقال جبريل : يا رسول اللّه أذن بأذن والرأس زيادة فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بما قاله أبو جهل فقال صلى اللّه عليه وسلم : فرعوني أشد من فرعون موسى لأنه قال عند موته آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وهذا ازداد عتوا عند موته ، وإنما لم يقدر ابن مسعود رضي اللّه عنه على حمل رأسه لأنه كلب والكلب يقاد ولا يحمل ، فإن قيل كيف أكد اللّه تعالى طغيان أبي جهل لعنه اللّه تعالى بقوله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ ( 6 ) [ العلق : 6 ] أي يتجاوز الحد ويتكبر على ربه فكان إذا زاد ماله زاد في ثيابه وطعامه وما أكد طغيان فرعون بل قال اللّه تعالى أنه طغى ؟ فالجواب أن فرعون كان يؤذي موسى عليه الصلاة والسلام بلسانه فقط وأبو جهل كان يؤذي محمدا صلى اللّه عليه وسلم بلسانه وغيره . وجواب آخر أن فرعون صدر منه إلى موسى بعض إحسان حيث رباه صغيرا وأبو جهل لعنه اللّه من صغره إلى كبره في عداوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وجواب آخر أن الحبيب كالعين والكليم كاليد والعاقل يخاف على عينيه أكثر من يده بل يدفع عن عينيه بيده فلهذا كانت المبالغة هنا في طغيان أبي جهل أكثر من